هيلا ... هيلا يا ابو جريدة ...!

كان الجو جميلاً ، فالشمس ساطعة والحرارة تجاوزت العشرين قليلاً ، فخرجت امارس رياضة المشي ، الذكريات لم تتركني اتمتع بالطبيعة لوحدي، فنبشت بصور وافلام قديمة محببة لنفسي من فترة بداية السبعينات من القرن الماضي ، و وجدت نفسي ادندن بكلمات من اغنية " هيلا يابو جريدة " فقررت أن اكتب بعض من ذكرياتي مع جريدة طريق الشعب ، وبسبب الفاصل الزمني الكبير الذي انهك الذاكرة ونسيان كلمات الاغنية ، فتحت المرجع الاكبر حجي كَوكَل وكتبت " هيلا يابو جريدة " فظهرت امامي بلاوي ، وقلت ملعون الوالدين كَوكَل ابد ماينسى !

مما ظهر فلم يوتيوب لفرقة الطريق تؤدي الاغنية بلحن الفنان طالب غالي وكلمات الشاعر كاظم السعدي ، استمعت للأغنية مستمتعاً وسارحاً مع امواج الذكريات الجميلة ورقصة الهيوة التي كنت أتميز بأداها في الحفلات مع فرقة الطريق البصرية ، فجأة توقفت ذكرياتي الراقصة وارتبكت حركات قدميّ ، عندما وقعت عيناي على صفحة الكَوكَل وعبارة " هيلا يابو جريد " عنوان لمقال كتبه العزيز ( عمار علي ) بتاريخ 30 اذار 2012، فسارعت لقراءته وكان مقالاً جميلا ، ثم وقعت في حيرة ، فأنا قد قررت كتابة مقال بنفس العنوان عندما كنت اتمشى قبل أن يخبّث علي الكَوكَل ، فقد يعتبره ( سرقة ) للعنوان ، ثم قلت هذه مبالغة ، فالقلوب سواجي تلتقي ، واسم الاغنية واحد لا يتغير ، فقررت ابقاء نفس العنوان بتغيير بسيط ، فحقوق الخمط مكفولة والخطا مرجوع للطرفين !

عدت لمسلسل ذكرياتي ودندنت " هيلا يابو جريدة ... هيلا كلنه نريده ..." وكيف كانوا الرفيقات والرفاق ينتظروني يومياً لأستلام حصتهم منها ، فعند اشتداد هجمة نظام البعث الأرهابي على تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في البصرة منتصف عام 1978 اصبح بيع وشراء الجريدة بصورة علنية مخاطرة كبيرة ، ولذا لجأت تنظيماتنا الى توزيع الجريدة عبر التنظيم أي بشكل سري ، ولكوني عضو قيادي في اللجنة القيادية الحزبية لمعهد التكنلوجيا والمكلف بأدخال الجريدة بصورة علنية للمعهد قبل الهجمة ، كُلفت ايضاً بعملية استلامها وتوزيعها على الهيئات الحزبية يوميا ً، العملية خطرة ومتعبة وتتطلب تحمل تكاليف التنقل ، حيث كان مصروفي اليومي متواضع جداً وبفضل من شقيقي الاكبر الموظف والمعيل لعائلتين براتبه المتواضع ومساعدة اخوتي الآخرين .

فكرت بافضل طريقة للتوزيع ، حيث طلبت أن يُشخّص رفيقة أو رفيق من كل هيئة ، اتصل بهم مباشرة لترتيب المواعيد معهم ، عددهم حوالي سبعة ولا يجوز اللقاء بهم يومياً مجتمعين بل على انفراد ، بعد تفكير وجدت الحل الأمثل ، بأن التقي بهم في مركز المدينة وفي سوق المغايز مساءً تحديداً ، حيث يكون الزحام على اشده ويصعب على عناصر الأمن ملاحظة ما يجري ، وجعلتهم ينتظرون في مسافات متباعدة وبأوقات مضبوطة ، قبل ذلك كان علي وبعد خروجي من الدوام في المعهد ، أن اذهب الى البيت بواسطة باص المعهد للعشار ثم استقل سيارة اجرة والعملية تستغرق حوالي الساعة ، في البيت ابدل الزي الطلابي بملابس اخرى ثم استقل دراجتي العتيقة وانطلق بسرعة بأتجاه مقر المحلية للحزب قرب السينالكو ، دخول المقر ( ليس زي خروجه !) فسيارة الأمن قد تنتظر للأعتقال ، عناصر الأمن كانوا يراقبون ويصورون من بيت مقابل مقر الحزب ، بعد استلامي 65 نسخة انطلق عائداً الى البيت بسرعة وكنت اناور مستغلاً الشوارع الفرعية ، العملية تستغرق ذهابا وايابا بالدراجة حوالي ساعة ونصف ، في البيت أقوم بتقسيم الجرائد الى مجاميع ولفها بجرائد ( الثورة ) وغيرها ، ثم استقل سيارة اجرة الى العشار ، حيث تتم عملية التوزيع بسرعة ، بيتنا كان يقع أمام مديرية الأمن القديمة حوالي تسعون متراً، والحارس يرى باب بيتنا المكشوف لرقابتهم !

في أحدى المرات ركبتُ سيارة الأجرة ، وركبا بعدي اثنان من عناصر الأمن الخارجان توا من المديرية وجلسىا على المقعد الخلفي بجنبي فبرزا مسدسيهما تحت قميصيهما ! وضعت كيس الجرائد بين قدمي ولكنه كان كبيرا و واضحا للعيان ، كان الموقف حرجاً ولكني جلست بهدوء ، وهما لم ينتبها لذلك حتى وصولي الى العشار !

هكذا كنا نعتز بالجريدة وننتظرها كمن ينتظر حبيبته ونجازف بحياتنا لأيصالها للرفاق والناس ، واليوم الجريدة الورقية توقفت للأسف ، والنسخة الالكترونية يوزعها المسؤول بضغطة زر وهو في بيته ! أي فقدت العملية صفاتها النضالية ،

الجهود والمشقة ومشاعر الخوف والفرح اثناء التوزيع وهنا تكمن حلاوة وقيمة النضال الحقيقي !

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 05-08-2020     عدد القراء :  144       عدد التعليقات : 0