دولة من دون اندماج اجتماعي
بقلم : د.أمير الشبلي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لاشك ان المجتمع العراقي هو جزء من المجتمع العربي الذي يمتاز بالتصلب والجمود ، والذي عانى وما زال يعاني من مشكلة الاندماج أو التكامل الاجتماعي والسياسي، إذ هذه الازمة تُعبر عن عدم قدرة النظام السياسي على إقناع الفئات والطوائف والقوميات أو حتى إرغامها على هوية وطنية واحدة جامعة .

ولذلك فان عمليتيْ الإقناع أو الإكراه ، لم تنصب على مشاريع سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية تمكن المجتمع من الانتقال الإيجابي من حالة التشظي إلى حالة التكامل، والتي من خلالها يتحقق الاندماج اجتماعيا ً مع الفئات أو المكونات المختلفة وسياسيا ً مع النظام السياسي .

فالدولة العراقية منذ تأسيسها لغاية الآن تعاني من هذه الأزمة ، بسبب ثقافة المجتمع التقليدية السائدة فضلا عن السياسات الطائفية ، والممانعة الاجتماعية والثقافية المؤطرة بالخطاب الديني المتشدّد من جانب ، وإخفاق السياسات التي اعتمدتها الحكومات السابقة في ظل انظمتها المختلفة من جانب آخر ، والتي لم تشهد استقرارا ً وديمومة في وجودها بما يقارب قرن من الزمن ، ويمكن أن نوضح تلك العوامل بشكل أدق ومنها:

العامل النفسي : فلاشك أن وسائل التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والجماعات الثانوية... الخ ، لها تأثير مباشر على شخصية الإنسان، وبذلك فان تناقض القيم التي يتلقاها الفرد تؤثر على سلوكه وتجعله في حالة ازدواجية نفسية ، إذ يؤمن إيماناً مطلقاً بنقيضين في آن واحد :الأول عادة ما يظهرهُ للناسِ وهو الشيء الحسن ،والثاني الخفي والذي عادةً ما يكون عكس الظاهر ، ويمكن إظهاره إلى الفئة المقربة منه . وهو بذلك يعيش في أزمة اندماج نفسي أولاً ومجتمعي ثانيا ً.

والعامل الديني: نسلم بان كل الأديان السماوية جاءت بأهداف عدة منها : عبادة الله سبحانه وتعالى وتحقيق العدالة الاجتماعية والتقارب والتعارف والتعاون بين الأفراد وإن اختلفت الشرائع ، فَأن التفسير البشري للنصوص السماوية وضع قيودا ً وحدوداً أدت بشكل أو بآخر إلى التمايز الديني والمذهبي وحتى أبعد من ذلك حيث وضعت بعض التفسيرات عقبات أمام تحقيق الاندماج .

أما العامل السياسي : لم يشهد العراق تاريخيا ً إفراطا ً سياسياً تعلق بالتعددية السياسية إلا بعد العام ٢٠٠٣ ، إذ عملت الأحزاب والقوى السياسية على اتساع الهوة بين فئات المجتمع وبين المجتمع والنظام السياسي وتعميقها ،لكونها لم تندمج اندماجا ً عمودياً مع النظام السياسي التي اجترحته، وإنما اخذت تلك القوى تمارس أدواراً أعلى من الدولة والنظام السياسي ، وهذا الأمر يدل على حقيقة وهي عدم إيمان تلك الأحزاب والقوى السياسية ببناء الدولة، مما انعكس ذلك على انعدام الو ضع في التكامل السياسي بالمواقف والرؤى في إدارة مؤسسات الدولة . ويأخذ هذا العامل مظهراً آخراً يندرج في المجال السياسي، و يدور بين القوى السياسية والمجتمع ، فإن أغلب تلك القوى تأسست على مبدأ الخصومة السياسية ، وهي بذلك ساهمت بشكل كبير من خلال سياستها الزبائنية لتقسيم المجتمع وهذه الخصومة لا تتعلق باهداف أو برامج الحزب أو الكيان السياسي بإدارة الدولة، وإنما كانت تنصب بالدرجة الأولى على خطاب يدور ضمن دائرة المفاهيم الضيقة منها: المذهب - الفئة - المظلومية - الأحقية . وهذا ما نلحظه عندما نتوجه للاقتراع فنندفع بدوافع طائفية أو فئوية مؤدلجة،لم نطلع على برنامج سياسي لإي حزب . ولم يقتصر الأمر على ذلك ، وإنما عملت تلك الأحزاب على مراعاة مصالحها دون الاهتمام بالمجتمع ، أي الاهتمام بالمصالح الخاصة دون المصالح العامة - المصالح الفئوية دون المصالح الوطنية.

فجميع تلك المظاهر ساهمت وبشكل كبير في إضعاف أداء النظام السياسي، والذي بدوره ِ انعكس سلباً على التكامل المجتمعي ، وبذلك تحول الولاء من الدولة إلى تنظيمات ومؤسسات ثانوية ( الأحزاب والمؤسسة الدينية و القبائل).

وشَكلت تلك الأسباب معوقا ً رئيساً أمام مؤسسات النظام لإعادة التكامل المجتمعي، ومع هذا فان الفرصة متاحة لتحقيق التكامل المجتمعي من جهة والسياسي من جهة أخرى . من خلال : إعادة النظر أو مراجعة الأحكام الفقهية في موروث الفقهي - الديني ، بما تتناسب مع الظرفية الزمكانية ، فليس من الإنصاف أن نتعامل في قرن الحادي والعشرين وفق قواعد فقهية وضعت في قرون عدة ، والتي تتعلق بالتعامل مع المكونات الأخرى التي تختلف بالشرائع.

والإيمان بالدولة ! إي ُ إيمان ( الأحزاب والمؤسسات دينية والقبائل ) بفكرة الدولة، لكونها أفضل نتاج إنساني أوجدته البشرية للتخلص من حالة الفوضى .

وضرورة العمل بسياسات اقتصادية شاملة لكون تلك السياسات تَعد مفتاح لتحقيق الاستقرار المجتمعي والسياسي في الدولة، وهناك نماذج دولية عملت على تلك السياسات لتحقيق درجة عالية من التكامل الإجتماعي ومنها : ماليزيا وسنغافورة ، إذ يجب على الدولة العراقية أن تأخذ مبادرتها الطبيعية في ممارسة قدرتها على إستخراج والموارد الطبيعية والبشرية الموجوده داخل إقليمها وتعبئتها ضمن سياسات اقتصادية من شأنها جعل المواطن العراقي منتجا ً أكثر من كونه مستهلكاً تَسهم ُبرفع ِجودة حياته، عبر َ التوزيع العادل للموارد والدخل والثروة والإنفاق ، وتشجيع ودعم القطاع الخاص وتقديم التسهيلات له ،ودعم الإستثمار ، ورفع مستوى تقديم خدمات البنى التحتية، وجعل هذه السياسات تتناسب مع مفهوم الوحدة الوطنية ، بحيث لا يوجد فوارق سياسية بتعامل الدولة مع أحد أقاليمها، وبذلك تساهم السياسات الاقتصادية وبشكل كبير على تحويل المجتمع مجتمعا ً منتجا ً منسجما ً لا يبالي لخطاب التفرقة .

وهنا يتحقق الاندماج الأفقي بين جميع فئات المجتمع ومكوناته ، والاندماج العمودي بين المجتمع والنظام السياسي ، ويتحول الولاء من الجماعات الثانوية إلى الدولة .

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 20-10-2020     عدد القراء :  104       عدد التعليقات : 0